أبو علي سينا

مقدمة الشفاء 4

الشفاء ( المنطق )

وحده هو الذي استطاع أن يضعه في ضوء بعض المراجع ، فجاء وقد حاكى فيه أكثر من غيره ترتيب القدامى « 1 » . وليته استطاع أن يتم الكتاب دفعة واحدة ، أو على دفعات متلاحقة ، وإنما اضطر بالعكس أن يكتبه على مراحل متباعدة ، وفي ترتيب غير ترتيبه النهائي . فبدأ بالطبيعيات وانتقل منها إلى الإلهيات ، وبعد فترة غير قصيرة ألحق بهما المنطق ، ثم الرياضيات ، وختم أخيرا بكتابي النبات والحيوان ، وهما جزءان من الطبيعيات . بدأه في همذان ، وأتمه في أصبهان ، وقضى فيما بين ذلك ما يزيد عن عشر سنوات « 2 » . بدأه وقد أشرف على الأربعين ، في سنّ النضج والكمال ، وفرغ منه وقد ناهز الخمسين « 3 » . وإذا عرفنا أنه لم يقصد همذان إلا سنة 405 ه ، ولم يبرحها إلى أصبهان إلا في حدود سنة 414 ، أمكن أن نحدّد بوجه عام تاريخ تأليف " الشفاء " . ذلك أنه لم يبدأ فيه إلا بعد أن قضى في همذان زمنا ، بعد توليته الوزارة للمرة الأولى وثورة الجند عليه . ولعل من أخصب مراحل تأليفه فترتين : أولا هما حين اختفى في دار أبى غالب العطار على أثر وفاة شمس الدولة بن بويه أمير همذان ، سنة 412 ، والثانية حين التجأ إلى دار العلوي بعد أن أفرج عنه من قلعة فردجان ، حوالي سنة 413 « 4 » . ولم يفرغ منه في أصبهان إلا بعد أن أمضى بها بضع سنوات . وعلى هذا يمكننا أن نقرر أنه من مؤلفات العقدين الأولين من القرن الخامس الهجري ( ويوافق ذلك أيضا العقدين الثاني والثالث من القرن الثاني عشر الميلادي ) ، وأن آخر أجزائه لم يتم إلا حوالي سنة 418 ه .

--> ( 1 ) ابن سينا ، المدخل ، القاهرة سنة 1951 ، ص 3 . ( 2 ) القفطي ، تاريخ الحكماء ، ص 420 - 421 . ( 3 ) نختلف بهذا مع الجوزجاني الذي يذهب إلى أن " الشفاء " قد تم وسن ابن سينا أربعون سنة ( المدخل ص 3 ) ؛ وفي التواريخ والوقائع التي قدمناها ما يكفى لنقض ذلك . ( 4 ) القفطي ، تاريخ الحكماء ، ص 421 ؛ البيهقي ، تاريخ حكماء الإسلام ، دمشق 1946 ، ص 63 .